الأكراد في سورية والعراق-5: مرجعهم اتفاقية (سيفر)ونصوصها تكذبهم!

الأكراد في سورية والعراق-5: مرجعهم اتفاقية (سيفر)ونصوصها تكذبهم!

أورينت نت – مهند الكاطع

الأكراد في سورية والعراق-5: مرجعهم اتفاقية (سيفر)ونصوصها تكذبهم!

في الحلقة الخامسة والأخيرة من سلسلة (الأكراد في سورية والعراق) للباحث مهند الكاطع، تود صحيفة (أورينت نت) الإلكترونية أن توضح، أن ما جاء في السلسلة، هو اجتهاد لباحث مهتم، يستقرئ تاريخاً استناداً إلى وثائق ومرجعيات، لا روايات وأقاويل بلا سند… ورغم ذلك فقد يخطئ وقد يصيب، وإن باب النقاش – بعيداً عن الشتائم والاتهامات المسبقة التي يلجأ إليها بعض الأخوة الأكراد- مفتوح للجميع.
(أورينت نت)

إرهاصات سايكس – بيكو ومؤامرة تقسيم كردستان!
الواقع بأن الوضع الكردي في سورية مختلف تماما عن العراق أو تركيا، وهو بعكس مزاعم الساسة الكرد جملة وتفصيلاً، فلا وجود لشيء اسمه كردستان سورية أو كردستان الغربية في سورية لا بمالمعنى السياسي ولا بالمعنى الجغرافي ايضاً كما هو الحال في “كردستان العراق” التي نجد لها جذوراً قديمة تعود لمئات السنين و قبل بزوغ فجر القوميات الذي بات يخلط بين المفهوم الجغرافي وإطاره السياسي، واتحدثُ هنا مرة أخرى عن السياق التاريخي للمنطقة للرد على ادعاءات لا تساهم في تكريس التعايش المشترك، ولا أقصد منها نفي مكوّن أصيل من مكونات شعبنا السوري، إنما أرمي إلى التعريف بحقيقة الادعاءات التي يتم إطلاقها على حساب الوطن السوري وأبناءه الذي يضحون بالغالي والنفيس اليوم في الوقت الذي يجاهر البعض بادعاءات لتقسيمهم.
ومتى ما سمعت خطاب أي سياسي كردي بدءاً من أكبر شخصية إلى أصغرها اليوم، فأول ما تسمعه منه هو: اتفاقية سايكس – بيكو قسمت كردستان الكبرى! ونفس الادعاء تجده عند العرب والأترا ، لكن بظروف ومعطيات أكيد مختلفة بعد الرجوع للوثائق ذات الصلة.
اتفاقية (سيفر) أيضاً تحظى باهتمام بالغ لدى الأكراد في أي مناقشة فهي أول اتفاقية أشارت للأكراد صراحة وفي أمكانية منحهم حكماً ذاتي في مناطق حددتها بدقة ، لذلك يتشبثون بها وكلهم يحفظ أرقام المواد الثلاثة التي ناقشت الوضع الكردي ، ومراجعة تلك الاتفاقيات كما سنلاحظ سيثبت أن ادعاء بحجم وطن قومي كردي في سورية تم اجتزاءه من كردستان الكبرى وضمه لسورية هو مجرد “كذبة ” كبيرة بدون أدلة و لا أساس لهُ في الاتفاقيات الدولية التي يصرح بها الساسة الأكراد في سورية فأعذروني على التوصيف فلم أجد توصيفاً أكثر تهذيباً منه في وصف الادعاء الضخم والكذب حتى في الوثائق .

نصوص اتفاقات سيفر التي يستشهد بها البارزاني تكذبه!
في سياق متصل لما سبق تحدث البرزاني عن اتفاقية سيفر وقبلها سايكس- بيكو وتجليات الظلم الدولي للأكراد قائلاً وسأقتبس: “في الحرب العالمية الأولى وبعدها. حين رسموا الخريطة وحرموا أمة كاملة من حقها. ألحقوا هذا بتركيا وذاك بإيران وثالث بسورية ورابع بالعراق. وزّعوا الأكراد من دون استشارتهم وقطّعوا أوصال أمتهم. هذا ظلم كبير. وعد الحلفاء الأكراد في معاهدة (سيفر) بإعطائهم حق تقرير المصير، لكنهم في معاهدة لوزان ألغوا هذا البند، وعلى أمل منحهم حقوقهم في البلدان التي سيعيشون فيها، لم يحصل الأكراد على حقوقهم في أي من هذه الدول” (1)
يصدر هذا مجدداً عن رأس هرم السياسة الكردية الحالية في العالم، ورغم أنني اجد نفسي متعاطفاً ومتفقاً من أن جميع الاتفاقيات الدولية التي قسمت جسد الدولة العثمانية قد أهملت الأكراد والآشوريين أيضاً ولم تتح لهم إقامة دولة على مناطقهم التي حددتها اتفاقية (سيفر) كما هو موضح في خارطتها، إلا ان بعض المعلومات في هذا التصريح مغايرة تماماً للحقائق الجغرافية والتاريخية، فنصوص الاتفاقيات متاحة أمام الجميع ومعروفة، ولا نمانع في مناقشة نصوصها مع التركيز على الجزء المتعلق بسورية الذي نكذّب ما جاء فيه، ونزعمُ بأنه أطماع سياسية ومحاولة لتشجيع الاعتداء على تاريخ حدود سورية.
السيد البرزاني يعلم تماماً بأن الاتفاقيات المشار إليها لم تجعل أي قسم من كردستان في سورية كما تحدث، والعالم الغربي يعرف أيضاً تاريخ تكون سورية الحديثة ومكوناتها وتاريخها ، لكنه يهتم لمصالحه فقط ويحاول إبقاء الشرق ضعيفاً متناحراً مشتتاً مع ضمان تدفق الذهب الأسود إليه!

الأكراد يعيشون على أرضهم التاريخية!!!
بالنسبة للجانب المتعلق (بسورية) أو وجود الأكراد في سورية ضمن هذه الاتفاقيات أو أي وثيقة تعالج تلك الحقبة فأقول: لم أقف على أي نص أو معاهدة أو توثيق تاريخي أو دراسة علمية أجنبية أو عربية أو كردية تتحدث يوجود كردستان في سورية، إلا الادعاءات التي بدأت بالظهور في الربع الأخير من القرن العشرين دون أي سنَد سوى أنها تكتفي بالقول “بأنهم يعيشون على أرضهم التاريخية في كردستان التي تم اجتزاؤها وضمها لسورية بموجب سايكس بيكو ” ويستندون لمعاهدة سيفر أيضاً التي حددت تلك الحدود!
أنا بحثت مطولاً في هذه الادعاءات فلم أوفق في الوقوف على شيء منها، بل كل نقيض ذلك تماماً، فقد كانت أول حركة كردية في سورية “خويبون” تمثل حركة أكراد تركيا في المنفى كما أسماها الباحث الفرنسي “جوردي غارغوس” وجميع أعضاءها في سورية و”بدون استثناء” كانوا من الذين هربوا من بطش الكماليين ولجئوا لسورية، وكانوا يناضلون في سبيل تحرير كردستان “من الكماليين” التي فهموا جغرافيتها وفق سيفر التي انقلب عليها مصطفى كمال في معاهدة لوزان الأمر الذي أشعل ثورتهم سنة 1925، وكانت خويبون تؤكد من خلال وثائقها أحترام جوارها السوري والعراقي، فلم يكن هناك اي جزء من سورية ضمن اي منطقة يُشار لها بكردستان في مختلف التعاريف السياسية أو الجغرافية أو التاريخية أو حتى مناطق التوزع العشائري التي حددها مارك سايكس سنة 1901 ونشر خريطة لتوزع العشائر الكردية وأقرب العشائر الكردية من الرحل كانت تخيّم في محيط (ماردين)، وبعضها يقيم في جبال ماردين “طور عابدين” شمال الحدود السورية الحالية.

اتفاقية سيفر: الحقائق والادعاءات
حتى في نطاق دراسات التوزع الديموغرافي الحالي أو في السابق لا ينطبق شيء من تسمية كردستان او مناطق كردية في سورية، على العكس تماماً فقد تم سلخ الألوية الشمالية السورية وضمها إلى تركيا، وكانت قبل ذلك مساحة سورية ووفقاً لسيفر نحو 350.000 كم مربع لم يتبقى منها الآن سوى 185.000 كم مربع، والألوية السورية الشمالية ضمت (كيليكيا) وتضم (إسكندرون) و(ماردين) و(عينتاب) و(أورفا بيره جك) كلها قامت فرنسا بالتنازل عنها لصالح تركيا سنة 1923 ، و في عام 1939م كان التنازل عن الاسكندرون وقبلها ومنذ عام 1920 كان التنازل عن (الموصل) للإنكليز مع جزء من (كركوك).
اتفاقية سيفر الموقعة سنة 1920 بين الحلفاء وتركيا كانت أول اتفاقية تذكر صراحة “مستقبل الأكراد” ولم يتم التطرق قبل ذلك لهم في أي اتفاقية سابقة، وقد أشار إلى البرزاني في تصريحه لصحيفة (الحياة) وذكّر بأنه جاء في اتفاقية (سيفر)، لكنه خلط بين ما نصت عليه اتفاقية سيفر في ذكر الأكراد، وبين ما يدعيه الأكراد اليوم من حدود وحقوق لن تجدها إلا في نصوص أحزابهم القومية. سنستعرض البنود الثلاثة التي ذكرت كردستان في اتفاقية سيفر ونعرضها على القرّاء بشيء من التفصيل ، لنقف على الحقائق بين الوثائق والادعاءات! ، وأنوه إلى أن سيفر ألغيت وحلّ محلها اتفاقية لوزان سنة 1923م .

نصوص المواد المتعلقة بالأكراد في اتفاقية سيفر
وردَت ثلاث مواد تتعلق في الأكراد وهي على مرتبة كالتالي:

المادة (62)
تتألف اللجنة المقيمة في القسطنطينية من ثلاثة أعضاء ترشحهم رسمياً حكومات بريطانية وفرنسا وإيطاليا. وخلال الأشهر الستة الأولى التي تعقب توقيع هذه الاتفاقية تقدم اللجنة خطة للحكم الذاتي المحلي للمناطق التي تقطنها أغلبية كردية شرقي نهر الفرات وجنوب حدود الحدود الأرمنية التي يمكن تحديدها فيما بعد، وشمال الحدود التركية السورية وما بين النهرين (العراق) كما حددتها المادة 27 الفقرات (2) و (3). وإذا ما أخفقت اللجنة في الوصول إلى قرار إجماعي حول أي مسألة من المسائلة، يقوم كل عضو من أعضائها بطرح المسالة على حكومته ، وسوف يتضمن المشروع ضماناً تاماً لحماية الآشوريين والكلدانيين وغيرهما من الأقليات القومية أو العراقية في هذه المنطقة، وتحقيقاً لهذا الغرض سيتقوم لجنة تشمل بريطانيا وفرنسا وإيطاليا وإيران والأكراد بزيارة هذه المنطقة للتحري وإقرار إصلاحات إذا ما وجد شيء منها، التي يمكن اتخاذها على الحدود التركية، حسب شروط الاتفاقية المتعلقة بالحدود الفاصلة بين تركيا وإيران.

المادة (63):
توافق الحكومة التركية على قبول وتنفيذ القرارات المتخذة من قبل اللجنتين المذكورتين في المادة (62)، وذلك في غضون ثلاثة أشهر من إبلاغ القرار للحكومات المذكورة.

المادة (64):
وإذا حدث خلال سنة من تصديق هذه الاتفاقية، أن تقدم الأكراد القاطنون في المنطقة التي حددتها المادة (62) إلى عصبة الأمم، قائلين إن غالبية سكان هذه المنطقة ينشدون الاستقلال عن تركيا، وفي حالة اعتراف عصبة الأمم أن هؤلاء السكان أكفاء للعيشة حياة مستقلة وتوصيتها بمنح هذا الاستقلال، فإن تركيا تتعهد بقبول هذه التوصية وتتخلى عن كل حق في هذه المنطقة ، وستكون الاجراءات التفصيلية لتخلي تركيا عن هذه الحقوق موضوعاً لاتفاقية منفصلة تعقد بين كبار الحلفاء وتركيا ، وإذا ما تم تخلي تركيا عن هذه الحقوق فإن الحلفاء لن يثيروا أي اعتراض ضد قيام أكراد الموصل بالانضمام الاختياري لهذه الدولة الكردية. انظر المرجع (2)

إذن نلاحظ أن الاتفاقية لم تتبنى نصاً واضحاً ، وكله كان مقترن بعدة عوامل ، منها طلب الأكراد الاستقلال في المنطقة المحددة في المادة(62) ، اعتراف عصبة الأمم بجدارتهم للاستقلال، تخلي تركيا عن حقوقها في هذه المناطق. وهذا ما لم يحدث منه شيء وأخيراً فضل الحلفاء مصالحهم مع تركيا واستبدلوا الاتفاقية بـ (لوزان).
لكن في المادة (62) نجد بأن المناطق ذات الأغلبية الكردية هي شمال الحدود التركية السورية التي حددتها المادة (27)، فأين تقع هذه المنطقة من سورية الحالية؟
للإجابة على هذا راجع المادة (27) بنصها الأصلي وفق الفقرات المشار إليها (2) و(3) في الرابط الموجود في آخر المقال، ثم اطلع على الخارطة التي وضعها الحلفاء في سيفر لتقف على حدود المنطقة التي كانت مرشحة للحكم الذاتي الكردي في حال تحققت الشروط كافة من طلب الاستقلال وموافقة عصبة الامم وتنازل تركيا.

تفاصيل الحدود في المادة 27 بين سورية وتركيا واضحة عبر الخارطة ويمكن مراجعتها بالتفصيل عبر المرجع (2)، وهي باختصار شمال الخط الواصل بين (عينتاب) و(بيرجك وأورفا) التي هي ضمن الأراضي السورية ويضاف إليها جزيرة (ابن عمر) و(ماردين) وكل ما يقع جنوبها كما يتضح في خارطة (سيفر) الأصلية، وهذا ما يطلق عليه الولايات الشمالية في سورية التي تشمل كل (منطقة كيليكيا)، علماً أن (الاسكندرون) بقي حتى عام 1939م تابعاً لسورية وتم ضمه لتركيا لاحقاً.

المراجع
1- حوار مع غسان شربل – صحيفة الحياة 7-8 شباط 2015
2- للاطلاع على النص الاصلي للاتفاقية مع الخرائط http://www.hri.org/docs/sevres

(تمت السلسلة).

اترك تعليقاً