أورهاي اديسا الرها أورفا عاصمة بيت نهرين

أورهاي اديسا الرها أورفا عاصمة بيت نهرين
هنري بدروس كيفا
)ملاحظة: هذه المحاضرة ألقيت في باريس سنة 1988 وسوف يليها قسم ثاني حول أورهاي لأنه صدرت أبحاث ودراسات جديدة حول الموضوع(الرها المدينة المباركة :
لقد عُرفت الرها بهذا اللقب المقدّس وذلك بدون أدنى شك بعد انتشار أسطورة رسالة السيد “المسيح ” إلى الملك ” ابجر “
(2) ملك الرها . المؤرخون والشعراء السريان تركوا لنا معلومات كثيرة عن الرها . ونحن من خلال مقالتنا هذه، سوف نلقى بعض الأضواء على حقبات معينة من تاريخ الرها. تقع الرها على بعد 40 كلم شمالي مدينة حرّان، أي في قلب المنطقة التي كانت تعرف ببلاد ما بين النهرين . كان يمر بداخلها نهر صغير عرف بإسم ” ديصان ” أي ” اللعين ” وذلك بسبب الفيضانات التي كانت تقع في مجراه، وغالباً ما كانت تؤدي إلى خسائر بشرية كما حدث في عهد الملك ” ابجر الثامن ” ( 177 – 212). لم يرتاح الرهاويون من تلك الفياضانات إلا في عهد الأمبرطور” يوستينيان ” (526 – 565 ) الذي قام بتغيير مجرىالنهر إلى خارج أسوار المدينة.
من المستغرب حقاً أن لا يصلنا إسم المدينة القديم مع أن الوثائق الأشورية القديمة هي مليئة بالمعلومات التاريخية والجغرافية عن المدن القديمة . كما لم تكن الرها مهمة أو ربما كان لها إسم آخر لا نعرفه اليوم . الجدير بالذكر أن الرها لقّبت في القديم بمدينة “إبراهيم الخليل “، بالفعل يوجد في قلب الرها حوض ماء شهير لا يزال إسمه حتى اليوم يعرف بـ ” بركة إبراهيم الخليل ” .
وقد خلط المؤرخون القدماء بين الرها وأور الكلدانيين .

لقد فسّر البطريرك ” ميخائيل الكبير ” معنى إسم أورهاي على الشكل التالي:
أور = مدينة، وهاي = تلك ( أي العائدة للكلدانيين) لقد أثبت العلامة HWF SAGGS في مقال له في مجلة العراق العدد 22، أن مدينة ” أور الكلدانيين” هي مدينة أور الواقعة في جنوب العراق .
وهذا يعني أن لا علاقة بين أورهاي وأور الكلدانيين ولكن مما لا شك فيه أن دخول الديانة المسيحية إلى الرها قد أدخل معه الكثير من التقاليد والمفاهيم الجديدة.ولكن قبل الغوص في هذا الموضوع نريد أن نكتب أكثر عن الرها قبل إنتشار الديانة السريانية فيها .
بعد موت ” الاسكندر المقدوني ” سنة 323 ق م انقسمت أمبرطورية الشاسعة بين قواده الكبار كان الشرق من حصة السلوقيين .
وهكذا بدأت مرحلة جديدة في الشرق إذ كانت المرة الأولى التي يخضع فيه الشرق لأمة غربية وغريبة . عمد السلوقيون إلى هلينة الشرق، فجعلوا اللغة اليونانية اللغة الرسمية في البلاد، كما بنوا مدناً جديدة أطلقوا عليها أسماء يونانية، لا بل أطلقوا أسماء يونانية على المدن الشرقية القديمة فمدينة حلب صارت تعرف بـ BEREE وبعلبك بـ HELIPOLIS وحرّان بـ CARRHAE أما أورهاي فأطلق عليه إسم EDESSA .لا نعلم بالتحديد من أين أتت التسمية اسروهين OSRHOENE من الملاحظ أنها قريبة جداً من لفظة ” عسرا ” الآرامية التي تعنى ” عشرة ” .
فهل كلمة ” اسروهين ” تعنى اتحاد عشر مدن أو عشرة قبائل ؟ تأسست مملكة الأباجرة في الرها في النصف الثاني من القرن الثاني قبل الميلاد .
وكان البرطيون قد ورثوا أمبرطورية الفرس، فعمدوا إلى محاربة السلوقيين لأستعادة المناطق منهم.
ومن هنا وقوع الرها بين الدولتين المتنافستين . والرها تحتل مركزاً استراتيجياً مهماً، إذ أن معظم الطرق التي تربط سوريا بالشرق تمرّ بها .
حافظ ملوك الرها على استقلال مملكتهم بصعوبة بالغة، ويظهر أن البرطيين قد حكموا الرها في بعض الفترات، كما أن الرهاويين قد تأثروا كثيراً بالبرطيين وذلك واضح من اللوحات المرسومة التي وجدت في الرها .لقد اختلفت الأراء حول أصل وهوية أسرة الأرباجرة .
فقد إدعى بعض المؤرخين الأرمن في أواخر القرن التاسع عشر بأن مملكة أورهاي كانت أرمنية، المؤرخون أثبتوا عدم صحة هذا الأمر، كتب المطران ” أدي شير :
إن هذا التقليد شاع وإنتشر في البلدان الشرقية . ووقع أيضاً بيد الأرمن . فلفقوه مثلما أرادوا قائلين عن الملك ” أبجر ” أنه أرمني وأنه هو الذي أسس مملكة أورهاي . وهناك قول مؤرخهم ” موسى الخوريني”:
إن ” أرشام بن ارتاشيس ” من ” آل تيغران”العظيم جلس على تخت المملكة سنة 33 قبل المسيح . وجرت له حروب طويلة مع ” هيرودوس”ملك اليهود ومات وقد ملك 30 سنة وخلفه إبنه ” أبكار ” (” أبجر ” ) … هذه هي الحكاية الأرمنية عن الملك ” أبجر الخامس ” يقول عنها ” روبلنس دوفال ” إنها مزوّرة، لفقوها ترويجاً لبضاعتهم ” .
ربما علينا أن نشير إلى أن الأرمن كانوا أكثر عدداً من بقية المسيحيين في الرها في القرن التاسع عشر . وقد أثروا على السريان الرهاويين الذين صاروا يتكلمون اللغة الأرمنية.
معظم الباحثين اليوم يرون أن أسرة الأباجرة كانت من الأنباط
(3) وذلك استناداً إلى أسماء ملوكهم . أما عامة الشعب فكانوا من الآراميين. وبالطبع لا يوجد أي وزن علمي أو تاريخي للرأي الذي يقول أن الرهاويين يعودون بجذورهم إلى أصل أشوري . إن كتابات ” مار أفرام ” تثبت لنا أنه كان يطلق تسمية ” الآراميين”
(4) على سكان الرها . كما أن ” مار يعقوب السروجي ” كان يشبّه فتيات الرها بالآرميات، ووصف ” مار أفرام ” بتاج الأمة الآرامية.
هنري بدروس كيفا
(1) أورهاي : هي التسمية الآرامية لمدينة الرها التي أطلق عليها اليونانيون إسم “اديسا “، والأرمن إسم ” يتاسيا ” وسُمّيت ” أورفا ” في العهد العثماني .
(2) أبجر الخامس : يخلط البعض بين ” أبجر الخامس و أبجر الثامن ” . في عهد الأول إنتشرت أسطورة مراسلة السيد ” المسيح “، بينما إنتشرت الديانة المسيحية في عهد الثاني.
(3) الأنباط : قبائل آرامية إنتشرت في البادية السورية استوطنت وسيطرت على شرق الأردن حيث اشتهروا بالتجارة، تركوا لنا عدداً كبيراً من النصوص الآرامية .
(4) التسمية الآرامية : يستخدم ” مار أفرام ” التسمية الآرامية بمعنى الشعب السرياني الآرامي، وليس بمعنى الشعب الوثني كما روّج بعض الباحثين من رجال الدين السريان.