أثر الموسيقى السريانية على الموسيقى الشرقية

أثر الموسيقى السريانية على الموسيقى الشرقية

تعتبر الموسيقى مرآة لحضارة الشعوب ومثالاً عن لغتهم الإنسانية وانعكاساً لتطورهم الحضاري عبر العصور المختلفة، فقد اعتنى الإنسان القديم منذ عصور ما قبل التاريخ بالأصوات التي كانت تصدر من الرياح والعواصف وأصوات الطيور والحيوانات وأصوات المياه. ولكن هذا الاهتمام لم يتطور بشكل كبير بسبب أن الإنسان في تلك الفترة كان مشغولاً في الصيد وتأمين قوته اليومي، فكان موضوع الموسيقى وتقليد الأصوات يثير اهتمامه لكنه لا يملك الوقت الكافي لتطويره، واقتصر الأمر على بعض الآلات الموسيقية البدائية كالناي الذي قام الإنسان بصناعته من عظام الطيور وثقبه لإصدار الأصوات. ومع بداية الثورة الزراعية الكبرى في العالم في بداية الألف الثامن ق.م،

انتقل الإنسان من الحياة المتنقلة والغير مستقرة إلى حياة القرى الزراعية والاستقرار والاهتمام بالمحاصيل الزراعية، مما مهد لعملية التطور الموسيقي بسبب استقرار الإنسان الشبه كامل في تلك الفترة. أما الاستقرار الكامل والتطور الحضاري الكبير في العالم كان مع نشوء المدن الأولى على مستوى العالم القديم، فكانت المدن الأولى في بداية الألف الرابع ق.م، والتي انتقل فيها الإنسان من حياة البداوة والقرى إلى مرحلة المدنية والتطور المدني والحضاري والديني، فنشأت المدن الأولى والمعابد الأولى والأمور الحضارية الأولى كالكتابة. بعد هذا التطور والاستقرار أخذ الإنسان يهتم بالأمور الحضارية التي تبعث الحياة والبهجة في مجتمعه، فكانت الموسيقى التي تطورت بشكل كبير مع ظهور المدن الأولى والمعابد الأولى، فالموسيقى تعتبر العنصر الأساسي في المعابد الدينية القديمة، فقد كانت مخصصة لحفلات تقديم الأضاحي والقرابين والتقدمات إلى الآلهة في المعابد القديمة وذلك عن طريق جوقة من المرتلين والعازفين الذين كانوا يقسمون إلى قسمين يقودهم قائد، حيث كانوا يقومون بتقديم الموسيقى الدينية في المعابد على شكل عمل مسرحي درامي موسيقي، يشترك فيه الشعب و المرتلون والكهنة، ويتخلله الغناء والعزف وصوت الطبل الكبير الذي كان يمثل صوت الإله. ولا تزال بعض الكنائس السريانية تستعمل بعض هذه الأعمال الدرامية الموسيقية القديمة في أسبوع الآلام. إضافة إلى المعابد فقد برع السحرة في تلك الفترة بالموسيقى والعزف والغناء، والسبب في ذلك يعود لما للموسيقى من تأثير كبير على الروح البشرية، فالموسيقى غذاء الروح الإنسانية ويمكن للموسيقى أن تجعل الإنسان حزيناً وسعيداً ومشتاقاً ونشيطاً… الخ، وعبر التاريخ كان هناك مدارس لمعالجة المرضى عن طريق الموسيقى.
في تلك الفترة أي في الألف الرابع والثالث ق.م، ظهرت الآلات الموسيقى الأولى كالكنارة الأكادية الأولى ذات الأوتار المختلفة، إضافة إلى الآلات الوترية الأخرى كالعود الأكادي والذي يعود بأصوله إلى بلاد الرافدين أيضاً مع القيثارة الأكادية، إضافة إلى الآلات الإيقاعية كالدف والطبل والصنوج. كل هذا التطور الموسيقي الكبير على صعيد الغناء والعزف ظهر أولا في بلاد الرافدين (بلاد الفن والعلوم) على يد الشعب الرافدي العريق والأصيل والمتمثل بالشعبين البابلي والآشوري العريقين أحفاد الحضارة الأكادية. ويعود سبب هذا الاهتمام الكبير بسبب تطور الحياة الدينية في هذه البلاد بشكل فائق النظير، واهتمام سكانها بالآلهة والمعابد والأضاحي، مما ساعد على تطور الموسيقى التي تعتبر كالعمود في تأسيس المعبد الديني الرافدي. وقد دلّت العديد من المكتشفات الأثرية في مواقع حضارية مختلفة مثل مدينة أور جنوب العراق ونينوى شمال العراق، ومدينة ماري الحدودية بين العراق وسورية ومدينة أوركيش (تل موزان قرب مدينة القامشلي السورية) على أهمية الحياة الموسيقية وتفاصيلها من خلال بعض النقوش المسمارية التي تتحدث عن الأوتار الموسيقية القديمة للآلات الموسيقية المختلفة وأسماءها وأسماء العلامات الموسيقية، وأسماء الآلات الموسيقية، وبعض المقطوعات الموسيقية الصغيرة. ولكن هذا لايعني أنه لم يكن هناك موسيقى قديمة سوى في بلاد الرافدين، فقد كان هناك موسيقى لكل شعب ظهر في تلك الفترة كالحضارة الفرعونية وغيرها، ولكنها لم ترتقي لمستوى الموسيقى والعزف الرافدي. ومن جهة أخرى فإن ظهور الموسيقى لم يرتبط بتطورها في بلاد الرافدين، فالموسيقى لم تتطور بشكل كبير في تلك البلاد، وهو ما نلاحظه في الأجناس الموسيقية القديمة ( جنس المقام = أربع درجات موسيقية فقط) المستخدمة حتى الآن في العراق وأرمينيا وفلسطين، والتي لم تتطور حتى الآن.
أما الفضل الكبير في تطور الموسيقى والتي كانت الأساس في الموسيقى المنتشرة في بلاد الشام عموما، فيعود للشعب السوري المتمثل بالأموريون والآراميون اللذان يعتبران من أساس الحضارة السورية، فقد أخذ الأموريون الموسيقى من بلاد ما بين النهرين وقاموا بتطويرها بشكل كبير إضافة إلى تدوينها بشكل موسيقي متطور، فكانت موسيقى مدينة أوغاريت السورية أول نوطة موسيقية مدونة مكتشفة في العالم حتى الآن، والتي تم تدوينها بشكل فعلي في منتصف الألف الثاني ق.م أي قبل ثلاثة آلاف وخمسمائة عام.
أما بعد انهيار الممالك الأمورية الكنعانية مع غزو شعوب البحر لسورية في القرن الثاني عشر ق.م، ظهر على مسرح التاريخ الشعب الآرامي وقام بتأسيس ممالك متفرقة في سورية بلده الأصلي وفي بلاد ما بين النهرين، ومع هذا التأسيس قام الآراميون باقتباس الموسيقى من بلاد ما بين النهرين، إضافة إلى ما تم تطويره في الممالك الأمورية السورية، فقد نشأ الآراميون في حضن هاتين الحضارتين. وقد قام الآراميون بتطوير الموسيقى الدينية والشعبية المستخدمة في الاحتفالات، وقد تجلى هذا التطور في إعطاء صبغة موسيقية مستقلة لكل مملكة آرامية سورية وهذا الاختلاف نلاحظه الآن في الاختلاف بين الموسيقى في الشمال والجنوب السوري على سبيل المثال. وتذكر بعض النصوص القديمة أن المغنيات الآراميات كن سباقات في تطوير الموسيقى السورية، من خلال تميّزهن في إجادة الغناء الديني والشعبي وفي مختلف الأماكن.
في الفترة اللاحقة ومع قدوم الإغريق اليونان إلى المنطقة والسيطرة عليها، أحضروا معهم بعض الموسيقى وقاموا بتطويرها استناداً إلى الموسيقى الآرامية السورية، فظهرت نماذج موسيقية رائعة تجلت في الألحان الثمانية والتي كانت تعرف باسم أكاديا. وقد وصلت قمة التطور الموسيقي الآرامي الإغريقي في مدينة الله (انطاكية) لذلك وباعتراف جميع الأثريين والباحثين الموسيقيين يمكن اعتبار الموسيقى الآرامية السريانية السورية “عمود موسيقى الشرق برمته”. وحتى المزامير الداؤودية القديمة تم تلحينها استنادا الى الموسيقى الآرامية السورية نتيجة احتكاكهم المباشر مع مملكة آرام دمشق والممالك الآرامية الأخرى في الجنوب السوري. أما مع نهاية الألف الأول ق.م خضعت الموسيقى الآرامية السورية لتطور ملحوظ على يد الفيلسوف الآرامي وافا والذي كان له بحر شعري خاص به عرف بالبحر الوفائي (الحادي عشر) يتحدث فيه عن الحب والغرام.

مع بداية الفترة المسيحية ظهر العديد من الموسيقيين السريان الذين قاموا بتطوير الموسيقى، وقد كان على رأسهم “برديصان” في القرن الثاني والثالث ق.م والذي يعود له الفضل الكبير في تطوير الموسيقى الشعبية السريانية. وذلك بالاعتماد على الموسيقى الشعبية القديمة والموجودة في المناطق السورية إضافة إلى أوزان الشعر السرياني. فقد أدخل الآلات الموسيقية بشكل كبير وفعّال في الأغاني السريانية. وقام بتأليف كلمات للأغاني لها علاقة بالحب والغرام والوصال ساهمت في استقطاب فئة الشباب، وقد كانت هذه الاحتفالات الموسيقية والغنائية تقام على أطراف الأنهار (نهر ديصان في الرها) يصحبها الرقص وشرب الخمر, وتذكر الوثائق الكتابية بأن برديصان قام بتأليف وتطوير أكثر من 150 أغنية تشبه في توزيعها الموسيقي مزامير داؤود النبي. وقد بقى الحال على ما عليه حتى قدوم كنارة الروح القدس” مار أفرام السرياني” في القرن الرابع الميلادي الذي اعترض على مذهب برديصان الغنوصي وطريقة تقديمه للموسيقى الآرامية مصحوبة باللهو والسكر، كونه كان يتبع الفكر اللاهوتي، فقام بنظم الألحان الجديدة بأوزانها المختلفة كالمداريش والتخشفتات والبواعيث وهي صلوات سريانية لكل منها قالب موسيقي مختلف، لكنه استخدم الكلمة اللاهوتية في هذه الألحان الجديدة، إضافة إلى قيامه بتنظيم الألحان الكنسية المختلفة بشكل ملحوظ عما كانت عليه سابقاً، مستعيناً أيضاً بالموسيقى الشعبية الآرامية التي كانت موجودة في المناطق والقرى السورية المختلفة، واستطاع بذلك ارجاع فئة كبيرة من السكان إلى أحضان الكنيسة. إذ يمكننا القول بأن مار أفرام السرياني ” تأثر وطوّر” وقد كان مار أفرام يعتمد في طريقة تلحينه للنص إلى تجزأت الكلمة السريانية إلى إيقاعات مختلفة صحيحة أو مركبة، وهو نفس الأسلوب الذي كان يتبعه برديصان في التأليف الموسيقي لكن الاختلاف كان يكمن في العبقرية الأفرامية في توظيف اللحن السرياني لاحتضان الكلمة اللاهوتية. لذلك يمكننا اعتبار موسيقى مار أفرام السرياني أساس الموسيقى السريانية الدينية التي طورّت لاحقاً على يد بعض الآباء نذكر منهم، رابولا في القرن الخامس الميلادي الذي له أكثر من 300 لحن وابتهال توجد غالبيتها في كتاب ” بيث كاز” أي مخزن الألحان. تلاه الملفان مار اسحق الأنطاكي الذي اشتهر بالقصائد اللحنية أشهرها (التقاديس الثلاثة) والتي احتوت على أكثر من 2136 بيت. تلاه مار يعقوب السروجي الذي اقتدى بمار أفرام في التلحين الموسيقي، وقد نظم العديد من الصلوات للأعياد والتذكارات بلغ بعضها أكثر من 300 بيت. ليأتي بعده الملفان مار يعقوب الرهاوي الذي يعود له الفضل في نظم ألحان مداريش الآلام وترتيب الطقوس السريانية اللحنية. وكان ذلك التطور قد بدأ بالقرن الثاني الميلادي وانتهى في القرن السابع الميلادي. إضافة إلى العديد من الموسيقيين الغربيين والشرقيين. وقد بلغ عدد الملحنين الذين عملوا بالموسيقى وطوروها أكثر من 22 موسيقي سرياني غربي، وأكثر من 15 موسيقي سرياني شرقي أمثال ” نرساي ويشوع بن نون “. وفي جميع الأحوال فاللحن الطقسي الكنسي بشكل عام اكتمل في القرن السابع الميلادي، على عكس الكنيسة المارونية السورية التي لم يكتمل فيها اللحن الطقسي الكنسي لأنهم خرجوا من سورية في القرن الخامس والسادس الميلادي. أما ما يخص الإيقاعات السريانية السورية فقد كانت مختلفة مركبة وبسيطة، وهي بالأساس إيقاعات شرقية من التراث الشعبي وتتجلى بوضوح في البيث كاز الذي يعتبر مخزناً للإيقاعات السريانية إلى جانب الألحان، وهي أساس الإيقاعات المستخدمة حاليا، كإيقاع الزفة المشهور. والذي بأساسه يعود للموسيقى السريانية وغيره من الإيقاعات.
ويمكننا القول بأن الكنيسة السريانية حافظت على الموسيقى السريانية بين جدرانها منذ القرن الرابع الميلادي وحتى منتصف القرن التاسع عشر الميلادي، والتي يمكن ملاحظة بعض الحزن في ألحانها بسبب الاضطهادات التي عانت منها الكنيسة السريانية، لكنها من جهة أخرى كانت تمنع استعمال اللحن والكلمة السريانية المقدسة في الأغاني العامة، مما ساعد على اختفاء الأغنية الشعبية السريانية بشكل كبير، حتى ظهرت بشكل تدريجي في منتصف القرن التاسع عشر، عندما تم استخدام اللحن السرياني والكلمة الماردلية في نشأت الأغاني الشعبية الماردلية نسبة إلى مدينة ماردين السورية شمال سورية والتي تحمل الطابع الموسيقي الشعبي الآرامي القديم لكن بلغة غير سريانية، وهي أهم مثال عن الموسيقى والغناء الشعبي الآرامي. ويمكننا القول بأن آخر كنيسة حافظت على الألحان السريانية القديمة، كانت كنيسة الرها التي تعتبر منبع الألحان السريانية.
ومن جهة أخرى ففي القرون الأولى المسيحية ومع قدوم الغزاة الجدد إلى سورية من رومان وبيزنطيين وعرب، فقد تأثروا بهذه الموسيقى الشرقية ونقلوها إلى بلادهم، إضافة إلى إدخال بعض من موسيقاهم إلى الألحان الكنسية السريانية، فهناك أكثر من 70 لحن يوناني بيزنطي موجود في الطقس السرياني. ويمكن ملاحظة التزاوج الموسيقي بين السريانية والبيزنطية في التخشفتات السريانية وبعض الموشحات الأندلسية القديمة، إضافة إلى أن الموسيقى السريانية أعطت الكثير للموسيقى الرومانية والبيزنطية الملكية، كالألحان الثمانية ونظام الألحان السريانية القصيرة. ويمكن ملاحظة هذا التأثير الأفرامي السوري في الموسيقى الغريغورية الإيطالية القديمة في القرن السابع وحتى العاشر الميلادي، حيث أن الموسيقى الغريغورية القديمة كانت تحتوي على أجناس مقامات شرقية كالمقام الأول السرياني أو ما يعرف بالبياتي، وهناك العديد من المؤلفات الموسيقية الغريغورية التي تحتوي على ألحان شرقية مقتبسة من ألحان الكنيسة السريانية، لكنها وابتداء من القرن الحادي عشر لم تعد تستعمل هذه المقامات الشرقية واقتصرت موسيقاها على مقامين وحيدين وهما النهوند والعجم، والذين تقوم عليهما كل التآليف الموسيقية الغربية حتى الآن.
أما فيما يخص الموسيقى العربية الإسلامية، فمع قدوم الغزوات العربية إلى سورية، لم يحمل القادمون الجدد أية ألحان موسيقية معهم، بل أنهم أخذوا جميع ألحانهم الموسيقية من الموسيقى السريانية السورية، وهو ما اعترف به الفارابي حين قال بأن الموسيقى السريانية هي أساس موسيقى الشعوب عامة. لذلك يمكننا القول بأن الموسيقى العربية الإسلامية نشأت على الأرض السورية عن طريق اقتباس الموسيقى السريانية بشكل كبير مع تطوير بعض الصيغ الموسيقية والإيقاعية لاحقاً. حيث أنهم قاموا بتفكيك بعض الإيقاعات السريانية المركبة إلى بسيطة. ولم يتوقف الاقتباس عند هذا الحد، بل قاموا بفتح مدرسة لتعليم الألحان في مكة في القرن السابع الميلادي وهي مدرسة “القيناث” وكلمة قيناث كلمة سريانية من (قينوثو) وتعني النغمة أو اللحن الموسيقي أي (مدرسة الألحان السريانية)، وكان أساسها الموسيقي مقتبس من الموسيقى السريانية السورية، والتي كان لها الدور الكبير في تطوير الموسيقى الجاهلية البسيطة في الجزيرة العربية إلى أنواع متطورة من الغناء والموسيقى. ويمكننا ملاحظة التأثيرات الموسيقية السريانية في الموسيقى الإسلامية العربية في العديد من الأمثلة. فبالنسبة إلى الموسيقى الدينية الإسلامية يمكن القول بأن المدائح والأذكار والموالد والموسيقى الصوفية الإسلامية هي امتداد للموسيقى السريانية السورية الدينية، إضافة إلى التجويد في القرآن فهو مقتبس من القراءة على الجودو أو الكودو بالسريانية، وهو مخصص لقراءة المزامير. إضافة إلى شيء مهم وهو لحن الآذان المستخدم في المساجد الإسلامية المنتشرة بشكل كبير، فقد كانت هذه الموسيقى (موسيقى الآذان) وتقسيماتها اللحنية، موجودة في الكنيسة السريانية قبل الإسلام بأكثر من 600 عام، وهو اللحن الذي يستخدمه الكاهن في النداء للمؤمنين لسماع كلمة الإنجيل. أما فيما يخص الموسيقى الإسلامية المخصصة للغناء والحفلات، فقد اقتبست الكثير من الموسيقى السريانية واستخدمتها في أغانيها، ويتجلى ذلك في القدود الحلبية القديمة وبعض الأغاني الدمشقية العتيقة. إضافة إلى الموشحات والتي تعني بالسريانية ” موشحتو” أي القصيدة المغناة، ونحن نعرف أن الموشح يقوم على القصيدة، ويمكن ملاحظة ذلك بوضوح في الموشحات الأندلسية ذات الأصل السرياني والتي قام زرياب بنقلها من بلاد المشرق إلى الأندلس. إضافة إلى نظام الغناء السرياني ” المعنّا ” من ” معنيثو ” بالسريانية وتعني الأغنية القصيرة، وهي أساس الموسيقى اللبنانية، إضافة إلى بعض الألحان الموسيقية العراقية كأغاني ناظم الغزالي التي تعتمد بشكل كبير على نظام ألحان المعنّا السرياني. ويمكن القول بأن الموسيقى السريانية انتشرت بشكل كبير حتى وصلت إلى آسيا الصغرى، وقد اقتبستها العديد من الشعوب التي سكنت هذه المنطقة كالأكراد والأتراك الذين يعود أساس موسيقاهم إلى الألحان السريانية السورية.
من خلال ما تقدم نستطيع تقديم لمحة موجزة عن تطور الموسيقى الرافدية والسورية خلال العصور التاريخية المختلفة. فقد نشأت الموسيقى القديمة في بلاد ما بين النهرين، ثم انتقلت وتطورت بشكل كبير ودونت بشكل نوطة موسيقية أولا في سورية على يد الأموريين الكنعانيين، ثم اقتبسها الآراميون وقاموا بتطويرها بشكل كبير من خلال نقلها إلى كامل الجغرافية السورية وإعطاء طابع موسيقي مختلف لكل مملكة، لتتطور لاحقاً على يد بعض آباءها القديسين السريان في الفترات المسيحية الأولى، لتكون الأساس لموسيقى الشعوب التي تلتهم كالبيزنطيين والعرب والأتراك وغيرهم. وإن كنا نتحدث عن الموسيقى السريانية بشكل كبير، لكننا لا ننسى أن هناك بعض الألحان الموسيقية التي وجدت عند شعوب المنطقة وكانت خاصة بهم، ولا تزال تستعمل حتى الآن، لكنها لم ترتقي لمستوى التوزيع اللحني الموسيقي السرياني. الذي كان ولايزال وسيبقى أساس الموسيقى الشرقية، ويعود السبب في ذلك لأنها جاءت حصيلة مراحل تطور الموسيقى عبر التاريخ واستمرارها في التطور، فقد جمعت الموسيقى السريانية، الموسيقى الوثنية الخاصة بالمعابد، مع الموسيقى الآرامية في الألف الأول ق.م، مع الموسيقى السريانية للآباء السريان، والموسيقى اليونانية والبيزنطية، لتصل إلى مرحلة متطورة من النضج الموسيقي، وهو شيء لا يوجد في موسيقا الشعوب الأخرى التي لم تتطور كما فعلت الموسيقى السريانية السورية.
لذلك اتمنى من خلال ما تقدم أن أكون قد قدمت شرحاً وافياً قدر المستطاع حول نشأت وتطور الموسيقى الرافدية والسورية خلال الفترات الزمنية المتعاقبة، وذلك من خلال بعض الدراسات التي قمت بها أثناء دراستي في علم الآثار والموسيقى القديمة للشعوب الحضارية. والتي قدمت الكثير من المعلومات الأخرى حول الموسيقى، لكن لا مجال للحديث عنها حاليا، بسبب كثرة المعلومات وغناها والتي تحتاج إلى مجلة خاصة للإسهاب في الحديث عنا بشكل مفصل أكثر، لكن البحث الأثري سيستمر لتقديم البراهين الكثيرة على أهمية الموسيقى السريانية السورية في تأسيس الموسيقى الشرقية بشكل عام، وهو شيء يحق لكل سوري أن يفتخر به. فسورية كانت ولاتزال وستبقى مهد الحضارة الإنسانية جمعاء.
الباحث الأثري والموسيقي
داني عبو

اترك تعليقاً