آشـور وسـوريـا وسـريـان الدكتور أسعد صوما أسعد

الدكتور أسعد صوما أسعد

باحث متخصص في تاريخ السريان ولغتهم وحضارتهم

ستوكهولم / السويد


 آشـور وسـوريـا وسـريـان

عام 2006 نشر الباحث روبرت رولينغر مقالاً حول تسمية “سوريا” و”سريان” وجاء رأيه في صالح اشتقاق أسم “سوريا” من “آشور”.

 وقد نشر مقاله الذي يحمل العنوان The Terms ‘Assyria’ and ‘Syria’ Again “التعابير آشور وسوريا مرة أخرى” في العدد الرابع من Journal of Near   Eastern Studies (مجلة الدراسات الشرق اوسطية).

ولما انتشر مقال الدكتور روبرت رولينغر قرأه بعض ابناء شعبنا وأساء البعض منهم فهمه معتقدين ان رولينغر يتحدث عن أصل السريان وانه “ينسب السريان الى الآشوريين”، الشيء الذي لا يذكره رولينغر في مقاله، لأنه لا يتحدث عن أصل الشعب السرياني انما يتحدث عن الاسماء Syria “سوريا” و Assyria “آشور” فقط،، وعن العلاقة اللغوية الموجودة بين الاسمين المذكورين وإذا كان الواحد مشتق من الآخر بقوله الواضح في مفتتح مقاله:

A debate about whether there is a linguistic relationship between the words “Assyria” and “Syria”

أي: (نقاش حول اذا كان هناك علاقة لغوية بين الكلمات “آشور” و”سوريا”).

 لذلك لا يجوز اعطاء اي بعد آخر لهذا الموضوع غير البعد اللغوي linguistic relationship الذي يتناول اشتقاق اسم سوريا من آشور وليس انحدار شعب من آخر.

لكن البعض من الذين يجهلون تاريخ السريان “الصحيح” ويجهلون ما كتبه اجدادهم السريان عن الموضوع، يستغلون “موضوع اشتقاق الاسماء” بل ويعطونه بعداً غير بعده اللغوي الذي يشمله، ويدّعون قائلين “اذا كانت لفظة سوريا/سريان تأتي من آشور فهذا يعني ان السريان يأتون من الاشوريين”، وبقناعتهم البسيطة هذه والمبنية على افتراض خاطىء يضعون انفسهم على نقيض من ابحاث العلماء عن أصل السريان وتاريخهم من جهة، ومن كتابات العلماء السريان القدماء من جهة اخرى.

 لأن كتابات السريان القدماء مجمعة على اننا السريان، ومجمعة ايضاً على ان السريان ينحدرون من الآراميين.

 كما ان هذه الموضوع بديهي للعارفين بالتاريخ السرياني ولقرّاء المصادر السريانية القديمة.

ان اشتقاق لفظة “سريان” شيء وموضوع اصل الشعب “السرياني” شيء آخر.

 فاذا كانت لفظة “سريان” مشتقة من “آشور” فليس بالضروري ان يكون الشعب السرياني منحدراً من الشعب الآشوري، والعكس صحيح.

والرأي السائد بين العلماء المتخصصين في التاريخ السرياني هو ان السريان ينحدرون من الآراميين، لأن كتّاب السريان نفسهم وعلى مر العصور ذكروا في مؤلفاتهم بانهم ينحدرون من الآراميين.

فعلى سبيل المثال نستشهد بأحد عظماء المستشرقين العلامة الألماني ثيودور نولدِكِه (1836-1930) حيث كتب ان لفظة “سريان” مشتقة من “آشور” لكنه في نفس الوقت كتب بان السريان هم من الآراميين (انظر كتابه Compendious Syriac Grammar، صفحة 32).

وفي بحثه الهام عن هذا الموضوع كتب نولدكه: “ان غالبية سكان المنطقة الممتدة من البحر المتوسط الى ما وراء نهر دجلة كانوا آراميين”

(أنظر بحثه الالماني: “Assurios Surios Suros” المنشور في:

( Zeitschrift für klassische Philologie, Berlin 1871, page 460)

كما ان المستشرقين وعلماء التاريخ السرياني الذين سبقوا “نولدِكِه” والذين عاصروه والذين أتوا بعده كتبوا ايضاً بان السريان هم من الآراميين.

منذ القرن السابع ولغاية الرابع قبل الميلاد استعمل اليونانيون التعبيرين “آشور” و “سوريا” بشكل مشوّش ومتداخل، حيث أطلقوا لفظة “آشور” أحياناً على كل منطقة الهلال الخصيب وعلى شعوبها المتعددة. فهناك من اليونانيين القدماء من سمّى الفينيقيين بالاشوريين، ومنهم من سمّى الآراميين بالاشوريين، ومنهم من أطلق على العبرانيين أسم الاشوريين، الخ.

لكن الألفاظ “آشور/آشوري/آثوري” و “سوريا/سوري/سرياني” تطورت مع الزمن لدى اليونانيين، واستقلت بعدئذ، وتبلور استعمالهما لاحقاً ليدل على منطقتين وشعبين وليس على شعب واحد.

 ومنذ منتصف القرن الرابع قبل الميلاد وخاصة بعد مجيء اليونانيين بقيادة اسكندر المكدوني للمنطقة توسعت معلومات اليونانيين عن منطقتنا وعن جغرافيتها وشعوبها وأخذت كتاباتهم تنحو نحواً دقيقاً في تسمية الشعوب باسمائها الصحيحة، وبدأت لفظة “سوري/سرياني” لديهم تأخذ طريقاً خاصاً لتطلق على الآراميين دون غيرهم فسموهم “بالسريان” ولغتهم “بالسريانية”، بينما كان الاشوريون يُسمون بالآشوريين وليس بالسريان لغاية سقوط دولتهم المقتدرة في بداية القرن السابع قبل الميلاد، ولم يكتب أحد من الكتاب القدماء المعاصرين حينها بان دولة آشور كانت دولة سريانية.

وهناك اثباتات من الكتبة اليونانيين واليهود من القرون الثلاثة الاولى قبل الميلاد عن ترابط الاسم السرياني ومساواته بالآرامي وعن تلاحمهما وترادفهما، فعلى سبيل المثال نذكر أحد الاثباتات وهو الترجمة السبعينية للتوراة التي ترجمت من العبرية الى اليونانية في القرن الثالث قبل الميلاد، إذ كلما وردت لفظة “آراميين” في النص العبري قام التراجمة بترجمتها الى لفظة “سريان”، كما انهم ترجموا لفظة “اللغة الآرامية” الى “اللغة السريانية”.

اي ان التراجمة ساووا بين الاسم الآرامي القديم والاسم السرياني المعاصر لهم، لانهم كانوا يعلمون ان اليونانيين في زمن الترجمة كانوا يسمون “الآراميين” بالسريان.

كما ان تلاحم وترادف الاسمين الآرامي والسرياني موجود أيضاً في الادب السرياني لدى الكتّاب السريان منذ القرن الخامس الميلادي ونزولاً، أما الكتابات السريانية التي ظهرت قبل القرن الخامس الميلادي فلا نعثر فيها على تسمية “سريان”، بل نجد فيها ان السريان حينها كانوا يسمون انفسهم بالاراميين ولغتهم بالآرامية، ورغم هذا فقد كان اليونانيون يسمونهم بالسريان، ومن اليونانية دخلت تسمية “سريان” علينا فاستعملها اجدادنا مترادفة مع اسمهم الآرامي.

 

اترك تعليقاً