آراء حول أصل كلمة “سريان”الدكتور أسعد صوما أسعد

الدكتور أسعد صوما أسعد

باحث متخصص في تاريخ السريان ولغتهم وحضارتهم

ستوكهولم / السويد


آراء حول أصل كلمة “سريان”

تمهيد:

((فجّر مؤخراً قرار برلمان اقليم كردستان بخصوص تسمية شعبنا فيضاً يومياً من الكتابات المتدفقة في المواقع الالكترونية المشرقية تتناول موضوع تسمية شعبنا في شمال العراق. وأدلى كل كاتب بدلوه في الموضوع محبة منه بان يقدم مساهمة تدل على وجهة نظره الشخصية أو الحزبية، معتقداً ان ما يقدمه قد يكون الحل الافضل والانفع. فهذا يؤمن بالتسمية الكلدانية أو الآشورية وذاك بالسريانية وآخر بالكلدانية والسريانية والاشورية، وغيره بالآرامية.

 كما ظهرت مؤخرأ بعض الاصوات بين السريان المشارقة تنادي باستعمال تسمية “سورايى”. ولأجل إفادة القارىء اللبيب نقدم له مقالنا المختصر هذا عن اصل تسمية سريان” لأن هذه اللفظة هي الترجمة الوحيدة والصحيحة للفطة ܣܘܪ̈ܝܝܐ/ܣܘܪ̈ܝܐ “سوريايى/ سورايى.))

آراء مختلفة حول أصل كلمة “سريان“:

ان تعابير “سريان” Syrian و”سوريا” Syria مترابطة ومتلاحمة، والواحد مشتق من الآخر، كما ان لفطة “آشور” ايضاً متداخلة معهم.وحينما نذكر لفظة “سريان” فاننا نقصد بها جميع شعب “السورايى” Suraye/Suryaye بمختلف فرقه ونحله، وعندما نبحث عن جذر لفظة “سوريا” فان هذا يمس لفظة “سريان” ايضاً.

ان تعابير “سوريا” و “سريان” قديمة منذ حوالي 2500 سنة، كما انها ظهرت لدى اليونانيين القدماء قبل السريان، ويبدو ان السريان تعلموها منهم واستعملوها لكن بعد حوالي عشرة قرون من ظهورها لدى اليونانيين.

هناك عدة آراء حول أصل تسمية “سوريا” و “سريان” حاول اصحابها شرح هذه الالفاظ ومصدر اشتقاقها اللغوي.

منذ أكثر من مائة سنة ظهر على الساحة العلمية نقاش بين العلماء حول هذه التسمية، فبينما أجمع الكتاب السريان القدماء باشتقاق لفظة “سوريا/سريان” من “سيروس”، رفض الغربيون هذا الاشتقاق؛ ففي العقود الاخيرة من القرن التاسع عشر كتب المستشرق الالماني الكبير “نولدِكِه” عن اشتقاقها من “آشور”، لكن عالم الدراسات الآرامية الكبير “فرانس روزنثال” رفض فكرة اشتقاقها من آشور؛

ثم كتب الباحث “شفارتس” وقال ايضاً باشتقاقها من آشور، فقام بعده الباحث “تفندتس” ورفض اشتقاقها من آشور وقال باشتقاقها من “سوري” المصرية، وبعده بحوالي عشر سنوات كتب الباحث “فراي” وجدد فكرة اشتقاقها من آشور، فقام بعده البرفسور جون جوزف المتخصص بالسريان النساطرة ونقض نتائج “فراي” مشككاً في هذا الاشتقاق؛

ومؤخراً كتب الباحث “رولينغر” في الموضوع مركزاً على اشتقاق لفظة “سوريا” من “آشور”.

وهنا نستعرض باختصار شديد الاراء الدارجة حول اشتقاق اسم “سريان”.

أولاً: ان الكتّاب السريان القدماء شرقيين (نساطرة) وغربيين (يعاقبة وروم) أجمعوا على ان اسم “سوريا” مشتق من اسم ملك “آرامـي” قديم اسمه Syros “سورس/سيروس” حكم المنطقة فتسمت باسمه ومنها اشتقت لفظة “سريان”؛ ومن الكتّاب السريان القدماء الذين قالوا بهذا الرأي نذكر مثلاً إيشوع برعلي السرياني النسطوري (القرن التاسع) في قاموسه السرياني الشهير، طبعة غوتهَيل 1908 روما، الجزء الثاني والقسم الاول صفحة 155؛ وأغابيوس قسطنطين السرياني الملكي “من طائفة الروم” (القرن التاسع) في “كتاب العنوان” طبعة اليسوعيين 1907، صفحة 26)؛ وابن الصليبي السرياني اليعقوبي (القرن الثاني عشر) في كتابه “الجدال” الفصل 14. ان الكتّاب السريان القدماء نقلوا هذا الرأي عن الكتّاب اليونانين القدماء الذين قالوا بهذه المقولة.

ثانياً: عام 1862 كتب البرفسور جورج رولينصون (1812-1902) وهو من مؤسسي علم الاشوريات، (وهو الشقيق الاصغر ل هنري رولنصون الذي نجح في فك رموز الكتابة المسمارية فسُمي “أبو الاشوريات”)، كتب في تاريخه الموسوعي الضخم، ج 4، 52) ان اسم “سوريا” مشتق من اسم مدينة “صور” Sur اللبنانية فتبعه البعض بهذا الرأي (انظر مثلاً Smith’s Bible Dictionary page 669.).

وربط آخرون هذا الرأي بالمسيحية لمرور تلاميذ المسيح بمدينة صور (سفر الاعمال 21:3-7)، فقيل عنهم بالسريانية صورايى/سورايى (Suraye/Suroye) اي مسيحيين، وكل من تبعهم وانضم الى الدين الجديد سُمى ايضاً بهذا الاسم ܨܘܪ̈ܝܐ صورويى/صورايى/سورايى” اي مسيحي، (لا زال سريان طور عابدين يطلقون بلهجتهم الارامية المحكية لفظة ܨܘܪ̈ܝܐ “صوروية” على المسيحيين قاطبة [لاحظ ان الاسم لديهم هو بحرف الصاد وليس بحرف السين]).

ثالثاً: كتب الباحث وينكلر ان اسم “سوريا” مشتق من “سور” Sur (يلفظ ايضاً Sura و Suri) الذي كان اسم إله الشمس في الاناضول. (أنظر تعليقه على لفظة “سوري” suri المنشور عام 1907)؛ وكذلك لمّح هوكينز في بحثه Assyrians and Hittitesالمنشور في مجلة العراق Iraq العدد 36 لعام 1974؛ (حاشية 6، صفحة 68) وكذلك كان الباحث شتراسماير قد سبقهم بهذا القول عام1884.

رابعاً: أرجعَ بعض العلماء أصل تسمية سوريا وسريان الى “آشور“، وقالوا بانها صيغة متطورة منها؛ ومنهم على سبيل المثال الباحث إدوارد شفارتز الذي كتب عام 1932 ان اسم سوريا مشتق من اسم آشور Ashshur (انظر بحثه الالماني (“حول آشور وسوريا”، المنشور في Philologus العدد 87 لعام 1932، الصفحات 261-263).

خامساً: نشر الباحث جون تفدتنس مقالاً بالانكليزية بعنوان “أصـل اسم سوريا” نشره في (Journal of Near Eastern Studies) العدد 40 عام 1981، صفحات 139-140) ذكر فيه بانه لا علاقة للالفاظ “آشور” و”سوريا” ببعضها البعض. ويرى تفدتنس ان أصل تسمية سوريا وسريان يعود الى لفظة Suri “سوري” المصرية، والتي كان المصريون القدماء يطلقونها بلغتهم على الحوريين في شمال سوريا في القرن الرابع عشر قبل الميلاد، ثم اصبحت المنطقة تسمى باسمهم فسميت “سوريا”.

كما هناك آراء أخرى عن الموضوع مثل اشتقاق سوريا Syria من Sirionسيريون” المذكورة في الكتاب المقدس (تثنية الاشتراع 9:3 حيث وردَ: “الصيدونيون يدعون حرمون سيريون”)، أو اشتقاقها من سوبرتو” الاكادية، أو من “سوري” الآرامية وغيرها؛ كما ان لكل رأي من هذه الاراء اصحابه وأنصاره، وان البحوث التي تظهر من وقت لآخر عن التسمية تدعم هذا الرأي أو ذاك.

المهم في الموضوع ان آراء معظم العلماء المختصين متفقة على ان تسمية “سريانܣܘܪ̈ܝܝܐ مشتقة من تسمية “سوريا / سوري” الجغرافية ” Toponym، لكن اختلافهم في الاراء هو حول أصل تسمية “سوريا”.

لكن الأهم في الموضوع ان كل كتابات السريان القدماء (نساطرة ويعاقبة) تنصّ بالاجماع على اننا سريان وتنصّ أيضاً على ان السريان ينحدرون من الآراميين. كما ان كل هذه الأمور بديهية للمختصين في تاريخ السريان.

 

اترك تعليقاً